إسلاميات

الغيبة ولماذا ينبغي على المسلم تجنبها؟

اسمحوا لنا من خلال هذا المقال أن نتحدث سويا عن الغيبة وحكمها في ديننا الإسلامي والترهيب من الوقوع فيها ولنبدأ بتعريفها أولا:

تعريف الغيبة

قال الحافظ ابن حجر: (رحمه الله تعالى):

(وقد اختلف العلماء في حد الغيبة. فقال الراغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوح إلى ذكر ذلك).

وقال الغزالي: (حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه).

وقال ابن الأثير في النهاية: (الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه).

وقال النووي في كتابه الأذكار تبعاٌ للغزالي:

(الغيبة ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز).

قال ابن التين: (الغيبة ذكر المرء بما يكره بظهر الغيب).

وقال الإمام النووي (رحمه الله): (ومن ذلك قول كثير من الفقهاء في التصانيف: قال بعض من يدعى العلم، أو بعض من ينسب إلى الصلاح … ممن يفهم السامع المراد به).

ومنه قولهم عند ذكره: (الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة … فكل ذلك من الغيبة).

والغيبة لا تختص باللسان فحيث ما أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب ولو بالتعريض، أو الفعل، أو الإشارة، أو الغمز، أو اللمز، أو الكتابة،

وكذا سائر ما يتوصل به إلى المقصود كأن يمشي مشيه فهو غيبة بل هو أعظم من الغيبة لأنه أعظم وأبلغ في التصوير والتفهيم.

الفرق بينها وبين النميمة

قال الحافظ ابن حجر “رحمه الله تعالى”: “واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ والراجح التغاير وأن بينهما عموما وخصوصا وجيها.

وذلك لأن النميمة نقل حال شخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه.

والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتراكا في ما عدا ذلك.

ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا، والله أعلم.

حكمها

لا شك ولا ريب أن الغيبة محرمة بإجماع المسلمين وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

الترهيب من الوقوع في الغيبة

قال الله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما}.

وقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم}.

وقال سبحانه: {ويل لكل همزة لمزة}.

وقال عز وجل: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.

وقال سبحانه: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}.

والغيبة آفة خطيرة من آفات اللسان، ولقد عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

{أتدرون ما الغيبة؟} قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: {ذكرك أخاك بما يكره} قالوا: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول. قال: {إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته}.

وعن أبي حذيفة عن عائشة {رضي الله عنها} قالت:

قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: {لقد فلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته}

قالت: وحكيت له إنسانا فقال: {ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا}.

وعن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم}.

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله، ودمه، التقوى ها هنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم}.

وعن أبي هريرة [رضي الله عنها] قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا]

ويشير إلى صدره ثلاث مرات [بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه].

ولا شك أن غيبة المسلم الميت أفحش من غيبة الحي وأشد؛

لأن عفو الحي واستحلاله ممكن بخلاف الميت فقد روى أبو داود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه].

وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته].

والحديث فيه تنبيه على أن غيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن، وفيه الوعيد بكشف الله عيوب الذين يتبعون عورات المسلمين ومجازاتهم بسوء صنيعهم، وكشف مساويهم ولو كانوا في بيوتهم مخفيين من الناس.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
[من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسى ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعه ورياء؛ فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة].

وهذا الحديث فيه الوعيد لمن أكل أكلة برجل مسلم:

أي بسبب اغتيابه والوقعية فيه أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه، أو كسى ثوبا بسبب إهانته.

فإن الله عز وجل يطعمه من جهنم مثل ما طعم بهذا الرجل المسلم، ويكسوه من جهنم مثل ما كسى؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

والله أعلم.

ومعنى [من قام برجل مسلم …] ذكروا له معنيين:

المعنى الأول:

أن الباء للتعدية:

أي أقام رجلا مقام سمعة ورياء ووصفه بالصلاح، والتقوى، والكرامات، وشهره بها وجعله وسيلة إلى تحصيل أعراض نفسه وحطام الدنيا فإن الله يقوم بعذابه وتشهيره؛ لأنه كان كاذبا.

والمعنى الثاني:

أن الباء للسببية – وقيل: هو أقوى وأنسب -:

أي من قام برجل من العظماء من أهل المال والجاه مقاما يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه ويصير إليه المال والجاه أقامه الله مقام المرائين ويفضحه ويعذبه عذاب المرائين.

وقيل يحتمل أن تكون الباء في برجل للتعدية والسببية فإن كانت للتعدية يكون معناه:

من أقام رجلا مقام سمعة ورياء يعني:

من أظهر رجلا بالصلاح والتقوى، ليعتقد الناس فيه اعتقادا حسنا ويعزونه ويخدمونه لينال بسببه المال والجاه فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء بأن يأمر ملائكته بأن يفعلوا معه مثل فعله ويظهروا أنه كذاب.

الوسوم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات